مجمع البحوث الاسلامية
589
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وتأويل الكلام على مذهبهم : أوفوا أيّها المؤمنون بعقود اللّه ، الّتي عقدها عليكم في كتابه ، لا محلّين الصّيد وأنتم حرم . وقال آخرون : معنى ذلك : أحلّت لكم بهيمة الأنعام الوحشيّة : من الظّباء ، والبقر ، والحمر ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ : غير مستحلّي اصطيادها ، وأنتم حرم ، إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ف ( غير ) على قول هؤلاء ، منصوب على الحال من الكاف والميم ، اللّتين في قوله : لَكُمْ بتأويل : أحلّت لكم أيّها الّذين آمنوا بهيمة الأنعام ، لا مستحلّي اصطيادها ، في حال إحرامكم . وقال آخرون : معنى ذلك : أحلّت لكم بهيمة الأنعام كلّها ، إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ : إلّا ما كان منها وحشيّا ، فإنّه صيد ، فلا يحلّ لكم وأنتم حرم . فكأنّ من قال ذلك ، وجّه الكلام إلى معنى : أحلّت لكم بهيمة الأنعام كلّها ، إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ : إلّا ما يبيّن لكم من وحشيّها ، غير مستحلّي اصطيادها في حال إحرامكم ، فتكون ( غير ) منصوبة - على قولهم - على الحال من الكاف والميم في قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ . [ إلى أن قال : ] وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب ، على ما تظاهر به تأويل أهل التّأويل في قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ من أنّها الأنعام وأجنّتها وسخالها ، وعلى دلالة ظاهر التّنزيل قول من قال : معنى ذلك : أوفوا بالعقود غير محلّي الصّيد وأنتم حرم ، فقد أحلّت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم ، أو غيرها من أحوالكم ، إلّا ما يتلى عليكم تحريمه ، من الميتة منها والدّم ، وما أهلّ لغير اللّه به ؛ وذلك أنّ قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ لو كان معناه إلّا الصّيد ، لقيل : إلّا ما يتلى عليكم من الصّيد غير محلّيه ، وفي ترك اللّه وصل قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ بما ذكرت ، وإظهار ذكر الصّيد في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أوضح الدّليل على أنّ قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ خبر متناهية قصّته ، وأنّ معنى قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ منفصل منه ، وكذلك لو كان قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ مقصودا به قصد الوحش ، لم يكن أيضا لإعادة ذكر الصّيد في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وجه ، وقد مضى ذكره قبل ، ولقيل : أحلّت لكم بهيمة الأنعام ، إلّا ما يتلى عليكم ، غير محلّيه ، وأنتم حرم ؛ وفي إظهاره ذكر الصّيد في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أبين الدّلالة على صحّة ما قلنا في معنى ذلك . فإن قال قائل : فإنّ العرب ربّما أظهرت ذكر الشّيء باسمه ، وقد جرى ذكره باسمه ؟ قيل : ذلك من فعلها ضرورة شعر ، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم ، وتوجيه كلام اللّه إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته أولى ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، من صرفه إلى غير ذلك . فمعنى الكلام إذن : يا أيّها الّذين آمنوا أوفوا بعقود اللّه الّتي عقد عليكم ، ممّا حرّم وأحلّ ، لا محلّين الصّيد في حرمكم ، ففيما أحلّ لكم من بهيمة الأنعام المذكّاة دون ميتتها ، متّسع لكم ، ومستغنى عن الصّيد ، في حال إحرامكم . ( 6 : 52 ) نحوه الطّوسيّ ( 30 : 416 ) ، والطّبرسيّ ( 2 : 152 ) .